المفهوم الصحيح للتوسل على ضوء السنّة

 


 
 
المفهوم الصحيح للتوسل على ضوء السنة
 
لفضيلة الأستاذ حماد بن محمد الأنصاري
الأستاذ بالجامعة الإسلامية

 
 
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 
أما بعد.. فقد اطلعت على رسالة صغيرة كتبها شخص باسم عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني وسماها (اتحاد الأذكياء في التوسل بالأنبياء وغيرهم من الصالحين والأولياء) يدعو فيها إلى التوسل بذوات الصالحين مستدلاً على دعواه فيها بخمسة أحاديث مرفوعة وبخمسة آثار موقوفة، وعقب على كل واحد منها بأنه صحيح، وأنها دالة كلها على مرامه..
 
هذا وقد ألفت رسائل كثيرة في الرد على مثل هذه الرسالة، منها قاعدة التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وصيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ زيني دحلان للشيخ السهسواني، وغاية الأماني في الرد على النبهاني للألوسي، ومنهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس للشيخ عبد اللطيف، وتأسيس التقديس في الرد على ابن جرجيس لبابطين النجدي، ومصباح الظلام في الرد على ابن منصور للشيخ عبد اللطيف وغير ذلك كثير.
 
فمشاركة لهؤلاء الأعلام في الذب عن السنة المطهرة وحفاظاً على العقيدة السلفية من أن يعبث بها كل لاعب رأيت من الواجب على بيان الحق نحو الأخبار ولآثار التي لبس بها الغمارى على العامة فوضعت قلمي على هذه الأوراق مستعيناً بالله وحده، فإذا تلك الأخبار والآثار على قسمين، قسم دال مرامه ولكنه ضعيف جداً أو موضوع، وقسم خارج عن الموضوع على فرض صحته، وقد قدمت الكلام على الأحاديث المرفوعة التي ساقها في رسالته الصغيرة التي تقدمت الإشارة إليها. وكذلك ما ساق في أصل رسالته هذه ثم قفيته بالكلام على ما أورده من الآثار الموقوفة، وسميت هذه الرسالة (بتحفة القاري في الرد على الغمارى) فإليك أيها القارئ أدلة الغمارى التي لا تنطلي إلا على الأغمار لأنك إذا نظرت إليها تجد أن أسانيدها كلها لا تخلو من كذاب أو متهم بالكذب متروك الحديث أو مجهوله تنقطع أعناق الإبل دون أن يعرف. إضافة إلى أنه أورد فيها حديث عمر في الصحيحين وحديث الأعمى في السنن مع أنهما خارجان عن الموضوع، كما ستقرؤه إن شاء الله في محله.
 
1 -
الحديث الأول من أحاديث الغمارى قال: "أخرج الطبراني في معجمه الكبير والأوسط عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:" لما ماتت فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنهما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عند رأسها فقال: "رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي تجوعين وتشبعينني وتعرين وتكسينني وتمنعين نفسك طيباً وتطعمينني تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة"، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه وقال:" الله الذي يحيى ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين"، وكبر عليها أربعاً وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر رضي الله عنهما ". قال: قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح غير روح بن صلاح، وقد وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف. قال فالحديث صحيح وله طرق، منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في المعرفة والديلمي في مسند الفردوس بإسناد حسن كما قال الحافظ السيوطي"، انتهى كلام الغمارى.
قلت:
قال الحافظ ابن حجر في اللسان: "إن روح بن صلاح ذكره يونس في تاريخ الغرباء وقال: هو من أهل الموصل قدم مصر وحدث بها.رويت عنه مناكير ".
قال الدارقطني:" ضعيف في الحديث ".
وقال ابن ماكولا:" ضعفوه، سكن مصر ".
وقال ابن عدى بعد أن أخرج له حديثين:" وله أحاديث كثيرة في بعضها نكرة "
وقال الذهبي في الديوان:" روح بن صلاح عن ابن لهيعة قال ابن عدى: ضعيف ".
وقال السهسواني في الصيانة:" روح ضعيف ضعفه ابن عدى، وهو داخل في القسم المعتدل من أقسام من تكلم في الرجال، كما في فتح المغيث للسخاوى، ولا اعتداد بذكر ابن حبان له في الثقات فإن قاعدته معروفة من الإحتجاج بمن لا يعرف كما في الميزان، وكذلك لا اعتداد بتوثيق الحاكم وتصحيحه فإنه داخل في القسم المتسمح "
قال السخاوى: وقسم متسمح كالترمذي والحاكم .
وقال السيوطى في التدريب:" وهو متساهل فما صححه ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً، حكمنا بأنه حسن إلا أن تظهر فيه علية توجب ضعفه ".
وقال البدر بن جماعة:" والصواب أنه يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الضعف أو الصحة "
ووافقه العراقي وقال:" أن حكمه عليه بالحسن فقط تحكم ".
فقول الحاكم وابن حبان عند التعارض لا يقام له وزن حتى ولو كان الجرح مبهماً لم يذكر له سبب، فكيف مع بيانه، كما هو الحال في ابن صلاح هذا، فأنت ترى أئمة الجرح قد اتفقت عباراتهم على تضعيفه، وبينوا أن السبب رواية المناكير، فمثله إذا انفرد بالحديث يكون منكراً لا يحتج به، فلا يغتر بعد هذا بتوثيق من سبق ذكره إلا جاهل أو مغرض.
 
فحديث أنس هذا الذي تبين أنه ضعيف أوهم الغمارى أنه صحيح بتمسكه بتوثيق ابن حبان والحاكم لروح بن صلاح، وقد بينا ضعفه وعدم اعتداد العلماء بتوثيق المذكورين فتذكر. ولم يكتف بهذا التلبيس بل قال عقبه:
 
ولهذا الحديث طرق منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في المعرفة والديلمى في الفردوس بإسناد حسن كما قاله الحافظ السيوطى.
 
فهذا كذب منه على ابن عباس رضي الله عنهما وربما على السيوطى أيضاً فليس في حديث ابن عباس موضع الشاهد من حديث أنس وهو قوله (بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي فإنك أرحم الراحمين).
 
قال ابن الأثير في أسد الغابة ما نصه:" أخبرنا أبو الفرج بن أبي الرجاء إجازة بإسناده عن أبي بكر بن أبي عاصم حدثنا عبد الله بن شبيب بن خالد القيس حدثنا يحيى بن إبراهيم بن هاني أخبرنا حسين بن زيد بن على عن عبد الله بن محمد بن عمر بن على عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن فاطمة بنت أسد في قميصه واضطجع في قبرها وجزاها خيراً ".
 
وروى عن ابن عباس نحو هذا وزاد:" فقالوا: ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه؟ قال: إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت في قبرها ليهون عليها عذاب القبر " .
 
وقال ابن عبد البر:" روى سعدان بن الوليد السابرى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم على بن أبي طالب ألبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه واضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه؟ فقال: "إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة واضطجعت معها ليهون عليها " .
 
ورواه الطبراني في الأوسط أيضاً بدون هذا الشاهد مثل رواية ابن عبد البر، وقال الهيثمى:" وفيه سعدان بن الوليد ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات " . ولفظه في المجمع عن ابن عباس قال:" لما ماتت فاطمة أم على بن أبي طالب خلع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه وألبسها إياه واضطجع في قبرها، فلما سوى عليها التراب قالوا: يا رسول الله رأيناك صنعت شيئاً لم تصنعه بأحد؟ فقال:" إني ألبستها قميصي لتكسى من ثياب الجنة واضطجعت معها في قبرها ليخفف عنها من ضغطة القبر، إنما كانت أحسن خلق الله إلي صنيعاً بعد أبى طالب ". وليس في هذه الروايات عن ابن عباس ذكر للشاهد الذي تقدم في حديث أنس رضي الله عنه ".
 
2 -
وعند الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة " أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض وبكل حق هو لك وبحق السائلين عليك ".
 
قلت:
قال الهيثمى في المجمع:" وفيه فضالة بن جبير وهو ضعيف مجمع على ضعفه ".
وقال الذهبي في الميزان:" قال ابن عدى عامة أحاديثه غير محفوظة ".
وقال ابن حبان:" لا يحل الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل لها "
هكذا في الفوائد المجموعة للشوكاني رحمه الله.
 
3 - وعن ابن عباس قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال: "سأل بحق محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت على فتاب عليه .." انتهى.
قلت:
قال الدارقطني:" تفرد به عمرو بن ثابت أبو المقدام بن هرمز الكوفي يكنى أبا ثابت وقد قال يحيى: أنه لا ثقة ولا مأمون ".
وقال ابن حبان:" يروي الموضوعات".
وقال الذهبي في الميزان:" قال النسائي: متروك الحديث "،
وقال أبو داود:" رافضي".
وقال عبد الله بن المبارك:" لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف "
وفي سؤالات الآجري أبا داود عنه أنه قال:" رافضي خبيث وهو المشئوم ليس يشبه حديثه أحاديث الشيعة "
و ذكره ابن عراق في الوضاعين وقال:" عمرو بن ثابت أبي المقدام " قال ابن حبان:" روى الموضوعات عن الثقات "
وذكره الفتني أيضاً في قانون الضعفاء وقال:" متروك ".
قال يحيى:" عمرو بن ثابت لا ثقة ولا ثابت، إن الله تعالى قد بين الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، فدعا بها هو وحواء بقوله تعالى:{قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. وهذا أقوى رد للمتن الذي رواه هذا الوضاع المجوسي الأصل من غلاة الروافض ".
 
4
- حديث الأعمى عند الترمذي والنسائي في عمل اليوم والليلة وابن ماجه، وهذا الحديث على القول بصحته فليس فيه متمسك على دعواه لأن الأعمى إنما توسل بدعائه صلى الله عليه وسلم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره في قاعدة التوسل والوسيلة.
 
ذكر أن العز بن عبد السلام أوقف القول بجواز التوسل به صلى الله عليه وسلم على صحة هذا الحديث، ولكنه لا يدل على التوسل بذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم بل إنما يدل على التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم للأعمى لقوله صلى الله عليه وسلم للأعمى :"إن شئت دعوت وإن شئت صبرت"  ولقول الأعمى في آخر دعائه "اللهم فشفعه في". 
 
وسيأتي بسط الكلام على هذا الحديث عن قريب إن شاء الله عند الكلام على حديث الطبراني في توسل عثمان بن حنيف.
 
5 - الحديث الخامس أخرج الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ في كتابه ثواب الأعمال من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه " أن أبا بكر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أتعلم القرآن ويتفلت مني، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول:" اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك وعيسى كلمتك وروحك وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين " (الحديث) لم يزد الغمارى على قوله في هذا الحديث (وهو ضعيف لضعف عبد الملك، ولأن فيه انقطاعاً بين أبيه وبين أبي بكر كما قال الحافظ العراقي في المغنى).
قلت:
قصر في البحث أو أراد التلبيس كما هو عادته لأن عبد الملك بن هارون بن عنترة قال عنه السعدي:" دجال كذاب "
وقال يحيى بن معين أيضاً:" كذاب ".
وقال أبو حاتم:" متروك ذاهب الحديث "
وقال ابن حبان:" يضع الحديث وهو الذي يقال به عبد الملك بن أبي عمرو ".
وقال الذهبي:" واتهم بوضع الحديث "
وكذلك ابن عراق ذكر في الكذابين ما قال السعدي وابن حبان فيه.
وقال الفتني في قانون الضعفاء:" عبد الملك بن هارون الشيباني كذاب دجال يضع ".
وقال الحافظ في اللسان:" قال صالح بن محمد عامة حديثه عن أبيه كذب، وأبوه هارون ثقة ".
وقال الحاكم في المدخل:" روى عن أبيه أحاديث موضوعة ".
وقال أبو نعيم:" يروى عن أبيه مناكير وأبوه هارون بن عنترة الشيباني الكوفي فقد قال الحافظ في التقريب: لا بأس به ، الدارقطني يحتج به وأبوه يعتبر به وأما ابنه عبد الملك فمتروك يكذب "- الميزان.
 
6 - قال الطبراني في الصغير ثنا محمد بن داود بن أسلم السدفي المصري ثنا أحمد بن سعيد المدني الفهري ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أذنب آدم عليه السلام الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى العرش فقال:" أسألك بحق محمد إلا غفرت لي " الحديث ورواه الحاكم في المستدرك أيضاً قال ثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري ثنا إسماعيل بن مسلمة أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر به
ففي هذا الحديث آفات كثيرة سكت عنها الغمارى لأنها لا تتلاءم مع غرضه من التلبيس. منها
إن الذهبي قال في الميزان:" عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهري روى عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه:( يا آدم لو لا محمد ما خلقتك ). قال في تلخيص المستدرك: بل هو موضوع وعبد الرحمن واه ".
وقال أيضاً:" رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا عن إسماعيل بن مسلمة "
قال الحافظ في اللسان:" لا استبعد أن يكون هو عبد الله بن مسلم بن رشيد وقد ذكره ابن حبان من المتهمين بوضع الحديث، لا يحل كتب حديثه، وهو شيخ لا يعرفه أصحابنا وإنما ذكرته لئلا يحتج به أحد من أصحاب الرأي لأنهم كتبوا عنه فيتوهم من لم يتبحر في العلم أنه ثقة وهو الذي روى عن أبي هدبة نسخة كأنها معمولة، ضبط الخطيب أباه بالتشديد وجده بالتصغير ".
قلت:
وإسماعيل بن مسلمة هذا صدوق يخطئ، وفيه أيضاً مجاهيل
قال الهيثمى في المجمع رواه الطبراني في الأوسط والصغير: وفيه من لم أعرفهم 
وقال الطبراني:" لا يروى عن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن صعيد المدني الفهري عن عبد الله به إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده . عبد الرحمن بن زيد، قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حدثك أبوك عن أبيه أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت خلف المقام ركعتين؟ قال: نعم. قال محمد بن عبد الله: سمعت الشافعي يقول: ذكر لمالك حديث فقال: من حدثك به؟ فذكر به إسناداً منقطعاً فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح عليه السلام- " انتهى.
 وقال في الصارم قال الحاكم أبو عبد الله:" روى عبد الرحمن عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ".
 
وأما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فضعيف غير محتج به عند أهل الحديث.

قال الفلاس:" لم أسمع عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه ".
وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل:" ضعيف ".
وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين:" ليس حديثه بشيء ".
وقال البخاري وأبو حاتم الرازي:" ضعفه علي بن المديني جداً ".
وقال أبو داود وأبو زرعة والنسائي والدارقطني:" ضعيف ".
وقال ابن حبان:" كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوفات فاستحق الترك ".
وقال الحاكم أبو عبد الله:" روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ".
وقال ابن خزيمة:" عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه ".
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني:" حدث عن أبيه، لا شيء ".
 
وما ذكرناه في هذا المكان من كلام أئمة هذا الشأن في بيان حال عبد الرحمن وحال الفهري فيه كفاية لمن له أدنى معرفة بهذا الشأن فكيف يسوغ لأحد الإحتجاج بحديث في إسناده مثل هذين الضعيفين المشهورين بالضعف ومخالفة الثقات اللذين لو كان أحدهما وحده في طريق الحديث لكان محكوماً عليه بالضعف وعدم الصحة فكيف إذا كانا مجتمعين في الإسناد.
 
وقال ابن عبد الهادي:" وإني لأتعجب من السبكي كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل وفيه قول الله لآدم: (ولو لا محمد ما خلقتك)، مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو حديث ضعيف في الإسناد جداً، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد بصحيح بل هو مفتعل على عبد الرحمن ولو كان صحيحاً إلى عبد الرحمن لكان ضعيفاً غير محتج به لأن عبد الرحمن في طريقه. وقد أخطأ الحاكم وتناقض تناقضاً فاحشاً كما عرف له ذلك في مواضع، فإنه قال في كتاب الضعفاء بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم وقال: ما حكيت عنه فيما تقدم أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. ثم قال في آخر هذا الكتاب: فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به فإن الجرح لا أستحله تقليداً والذي أختار لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم فالراوي لحديثهم داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: " من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " هذا كله كلام الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك، وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر جرحه بالدليل وأن الراوي لحديثه داخل في قوله صلى الله عليه وسلم :" من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " ثم إنه رحمه الله لما جمع المستدرك على الشيخين ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة بل والموضوعة جملة كثيرة وروى فيه لجماعة من المجروحين الذين ذكرهم في كتابه في الضعفاء وذكر أنه تبين له جرحهم، وقد أنكر عليه غير واحد من الأئمة هذا الفعل وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره فلذلك وقع منه ما وقع وليس ذلك ببعيد ".
 
ومن جملة ما خرجه في المستدرك حديث لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم  في التوسل قال بعد روايته هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب، فانظر إلى ما وقع للحاكم في هذا الموضوع من الخطأ العظيم والتناقض الفاحش.
 
ثم إن السبكي عمد إلى هذا الذي أخطأ فيه الحاكم وتناقض فيه فقلده فيه واعتمد عليه وأخذ في التشنيع على من خالفه فقال:" والحديث المذكور لم يقف ابن تيمية عليه بهذا الإسناد ولا بلغه أن الحاكم صححه، ولو بلغه أن الحاكم صححه لما قال ذلك يعنى أنه كذب". ولنعرض للجواب عنه قال: وكأني به إن بلغه بعد ذلك يطعن في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم راوي الحديث ونحن قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم وذكر قبل ذلك بقليل أنه مما تبين له صحته.
 
قال في الصارم فانظر إلى هذا الخذلان البين والخطأ الفاحش كيف جاء هذا المعترض إلى حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو حديث موضوع فصححه واعتمد عليه وقلد في ذلك الحاكم مع ظهور خطئه وتناقضه ومع معرفة هذا المعترض بضعف رواية وجرحه واطلاعه على الكلام المشهور فيه وأخذ يشنع على من رد هذا الحديث المنكر ولم يقبله ويبالغ في تخطئته وتضليله .
 
ويقول الغمارى عن هذا الحديث الموضوع لا من أجل عبد الرحمن بن زيد وحده قال:" وفي علمي أن الذهبي تعقبه فحكم بوضع الحديث وأعله بعبد الرحمن المذكور ".
 
وهذا منه غلو ومحازفة فإن عبد الرحمن من رجال الترمذي وابن ماجه وقد أخذ عنه الثقات الإثبات مثل مالك بن مغول ويونس بن عبيد وسفيان بن عيينة ووكيع وغيرهم، وهو وإن كان ضعيفاً لم يبلغ به الضعف إلى حد أن يحكم على حديثه بالوضع إذ لم يتهم بكذب له هو في نفسه صالحاً وفي الحديث واهياً، وقال في محل آخر:" هو أحب إلي من ابن أبي الرجال ". وقال ابن عدي:" له أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم وهو ممن يكتب حديثه ". وقال ابن خزيمة:" ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه هو رجل صناعته العبادة والتقشف ليس من أحلاس الحديث "، ثم قال (قلت) وكذا جميع من ضعفه مثل أحمد والنسائي وابن سعد وابن حبان، إنما ضعفوه لسوء حفظه ولغفلته مع وصف بعضهم له بالصلاح والعبادة.
 
فملخص ما يقال في حديثه هذا أنه ضعيف فقط ليس بصحيح كما قال الحاكم ولا بموضوع كما قال الذهبي وكيف يكون موضوعاً وقد أخرجه البيهقي في دلائل النبوة وهو ملتزم أن لا يخرج في كتبه حديثاً موضوعاً كما ذكره الحافظ السيوطي في اللآلي راداً به على ابن الجوزي إذ أورد في الموضوعات من طريق ابن شاهين حديثاً هو عند البيهقي في الأسماء والصفات وبهذا امتازت كتب البيهقي على سائر من يلتزم أصحابها الصحة، وقد طعن في الحديث ابن تيمية أيضاً كما نقله عنه التقى السبكي في شفاء السقام ولم نشتغل برد كلامه لكونه في معنى كلام الذهبي. انتهى كلام الغمارى الذي إن دل على شيء فإنما يدل على المغالطة إذ تقدم أن عبد الرحمن بن زيد يروي عن أبيه أحاديث موضوعة وهذا الحديث من جملتها.
 
هذه أدلته المرفوعة على جواز التوسل بذوات الصالحين مع بيان عدم صلاحيتها للاستدلال بها على ما يريد.
 
 
الآثار التي دلس بها الغماري على مطلوبه:

 
1 -
منها ما رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:" كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود خيبر فعاذت اليهود بهذا الدعاء اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمن إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به فانزل الله {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني وقد كانوا يستفتحون بك يا محمد، إلى قوله {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} ثم قال الغماري تلبيساً كعادته:" هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الملك بن هارون ".
 
قلت:
قال الحاكم في المستدرك:" أدت الضرورة على إخراجه في التفسير وهو غريب من حديثه ".
وقال الذهبي في التلخيص:" قلت لا ضرورة في ذلك فعبد الملك متروك هالك لكن للأثر طرق، فأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريقي عطاء والضحاك عن ابن عباس قال:" كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يستفتحون لله، يدعون على الذين كفروا، يقولون: اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي إلى نصرتنا عليهم، فينصرون، فلما جاءهم ما عرفوا - يريد محمداً صلى الله عليه وسلم- ولم يشكوا فيه كفروا به ".
 

وأخرج أيضاً من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال:" كان يهود المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من أسد وغطفان وجهينة وعذرة يستفتحون عليهم ويستنصرون، يدعون عليهم باسم نبي الله فيقولون: ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي  تنزل عليه الذي وعدتنا أنك باعثه في آخر الزمان ".
 
قلت:
هذا الأثر فيه الكذاب عبد الملك بن هارون بن عنترة وقد تقدم الكلام عليه في الأخبار المرفوعة.
قال أبو نعيم في الدلائل: حدثنا حبيب بن الحسن حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا أحمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أنه قال بلغني عن عكرمة مولى ابن عباس وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس:" أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله عز وجل من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبسر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا وقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد وإنا أهل الشرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن مشكم: ما هو بالذي كنا نذكر لكم، ما جاءنا بشيء نعرفه، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}" .
 
قال ابن جرير: ثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا ابن إسحاق قال حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت قال حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس " أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه "، الحديث.
قال حديث عن المنجاب قال حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} قال:" كانوا يستظهرون يقولون نحن نعين محمداً عليهم وليس كذلك يكذبون ".
 
قال العلائي في المراسيل:" الضحاك بن مزاحم صاحب التفسير كان شعبة ينكر أن يكون لقي ابن عباس وروى عن يونس بن عبيد أنه قال: ما رأى ابن عباس قط وعن عبد الملك بن ميسرة أنه لم يلقه، إنما لقي سعيد ابن جبير بالري فأخذ عنه التفسير، وروى شعبة عن مشاش أنه قال:" سألت الضحاك لقيت ابن عباس؟ قال: لا "، وقال الأثرم:" سمعت أحمد بن حنبل يسأل الضحاك لقي بن عباس قال: ما علمت ، وقيل له فممن التفسير؟ قال: يقولون سمعه من سعيد بن جبير ".
 
وأما كون اليهود كانوا ينتصرون على العرب فهذا لا يعرف بل المعروف خلافه، والله تعالى قد أخبرنا بما يدل على ذلك فقال تعالى:{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ}. لم يكونوا بمجردهم ينتصرون على العرب ولا على غيرهم. وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام، والذلة ضربت عليهم من حين بعث المسيح عليه السلام فكذبوه قال تعالى:{يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} الآية. وقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ} إلى آخر السورة.. وكانوا قد قتلوا يحيى بن زكريا وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى:{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} فأنزل الله تعالى هذه الآيات {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} الآية.
وروى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن رجال من قومه قالوا:" مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه ما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا وكان لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، كثيراً ما كنا نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله محمداً رسولاً من عند الله أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هؤلاء الآيات التي في البقرة {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} الآيات ".
ولم يذكر ابن أبي حاتم وغيره ممن جمع كلام مفسري السلف إلا هذا، وهذا لم يذكر فيه السؤال به أحد من السلف بل ذكروا الأخبار به أو سؤال الله أن يبعثه فقد روى ابن أبي حاتم عن أبي رزين عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} قال:" يستظهرون يقولون نحن نعين محمداً عليهم وليسوا كذلك يكذبون ".
 
وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}قال:" كانوا يقولون إنه سيأتي نبي  {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } ".
 
وروى بإسناده عن ابن إسحاق ثنا محمد بن أبي محمد قال أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود ابن سلمة:" يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك وتخبروننا  بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام ابن مشكم أخو بنى النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى من قولهم {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} الآيات ".
 
وروى بإسناده عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال:" كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم، فلما بعث الله محمداً ورأوا أنه من غيرهم كفروا به، حسداً للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}".
 
وأما الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:" كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت اليهود فعاذت بهذا الدعاء " اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي صلى الله عليه وسلم الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية " وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه وقال:" أدت الضرورة إلى إخراجه "، وهذا مما أنكره عليه العلماء فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس وهو عند أهل العلم بالرجال متروك بل كذاب. وقد تقدم ما ذكره يحيى بن معين وغيره من الأئمة في حقه.

قلت: وهذا الحديث من جملتها، وكذلك الحديث الآخر الذي يرويه عن أبي بكر كما تقدم في الأحاديث المرفوعة.
 
ومما يبين ذلك أن قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية إنما نزلت باتفاق أهل التفسير والسير في اليهود المجاورين للمدينة أولاً كبني فينقاع وبني قريظة والنضير، وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج وهم الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ثم لما نقضوا العهد حاربهم فحارب أولاً بني قينقاع ثم النضير وفيهم نزلت سورة الحشر. ثم بني قريظة عام الخندق فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان فإن هذا من كذب جاهل لم يحسن كيف يكذب ومما يبين ذلك أيضاً أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء، وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب، ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله، .. انتهى (21 ص 86)..
 
وأما قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}الآية، فكانت اليهود تقول للمشركين:" سوف يبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم لم يكونوا يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به بل يقولون اللهم ابعث هذا النبي الأمي لنتبعه ونقتل هؤلاء معه ".
هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير وعليه يدل القرآن الكريم فإنه تعالى قال: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ} والاستفتاح الاستنصار وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به هو أن يبعث فيقاتلون معه بهذا ينصرون، ليس هو بأقسامهم به وسؤالهم به إذ لو كان كذلك لكانوا كلما سألوا أو أقسموا به نصروا، ولم يمكن الأمر كذلك بل لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نصر الله من آمن به وجاهد معه  على من خالفه.
وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل مخالف للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة لهذا النقل وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في دلائل النبوة. وفي كتاب الاستغاثة الكبير، وكتب السيرة ودلائل النبوة والتفسير مشحونة.
بمثل هذا النقول الكاذبة قال أبو العالية وغيره:" كان اليهود إذا استنصروا بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي نجده مكتوباً عندنا حتى نغلب المشركين ونقتلهم فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، ولفظ الآية إنما فيه {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} وهذا كقوله تعالى:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} والاستفتاح طلب الفتح وهو النصر، ومنه الحديث المأثور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بهم أي بدعائهم كما قال "وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم "، وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله تعالى أن ينصرهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان بأن يعجل بعث ذلك النبي إليهم لينصروا به عليهم لا لأنهم أقسموا على الله وسألوه به، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ }.
 
فلو لم ترد الآثار التي تدل على أن هذا معنى الآية لم يجز لأحد أن يحمل الآية على ذلك المتنازع  فيه بلا دليل لأنه لا دلالة فيها عليه فكيف وقد جاءت الآثار بذلك.
 
وأما ما ذكر عن اليهود من أنهم كانوا ينصرون لقد بينا أنه شاذ وليس هو من الآثار المعروفة في هذا الباب فإن اليهود لم يعرف أنها غلبت العرب بل كانوا مغلوبين معهم، وكانوا يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقاً كما كانت قريظة حلفاء الأوس وكانت بنو النضير حلفاء الخزرج. ومما ينبغي أن يعلم أن مثل هذا اللفظ لو كان مما يقتضي السؤال به والأقسام به على الله تعالى لم يكن مثل هذا مما يجوز أن يعتمد عليه في الأحكام لأنه أولاً لم يثبت وليس في الآية ما يدل عليه، ولو ثبت لم يلزم أن يكون هذا شرعاً لنا فإن الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه له وأخبر عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا:{لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} ونحن قد نهينا عن بناء المساجد على القبور" انتهى.
 
2 - وأخرج الدارمي في مسنده في باب ما أكرم الله تعالى به نبيه بعد موته قال حدثنا أبو النعمان حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال:" قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقالت: انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف قال: ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق "
قال على بن محمد القاري في شرح المشكاة:" قيل في سبب كشف قبره أنه صلى الله عليه وسلم كان يستشفع به عند الجدب فتمطر السماء فأمرت عائشة رضي الله عنها بكشف قبره مبالغة في الاستشفاع به، فلا يبقى منه بينه وبين السماء حجاب
قال الغماري:" وإسناده لا بأس به، أبو النعمان هو محمد بن الفضل السدوسي البصري الملقب بعارم ثقة من رجال الصحيحين، وسعيد بن زيد هو أخو حماد بن زيد قال ابن معين: ثقة. وعمرو بن مالك النكري ثقة من رجال الأربعة. وأبو الجوزاء ثقة من رجال السنة "، انتهى كلامه.
 
قلت: فيه أربع آفات:
 
(أ) أبو النعمان عارم قد اختلط في آخر عمره.
 
(ب) أبو الجوزاء أوس بن عبد الله، قال البخاري: في إسناده نظر ويختلفون فيه، قال الحافظ في التهذيب: إنما قاله عقب حديث رواه له في التاريخ من رواية عمر بن مالك النكري، والنكري ضعيف عنده. وقال الحافظ في التهذيب أيضاً: وقول البخاري في إسناده نظر، يريد أن أبا الجوزاء لم يسمع من عائشة وابن مسعود وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده. وأحاديثه مستقيمة، وحديثه عند مسلم عن عائشة في الافتتاح بالتكبير. وذكر ابن عبد البر في التمهيد أيضاً أنه لم يسمع من عائشة، قال الحافظ في التقريب: ثقة يرسل كثيراً.
 
(ج) وعمرو بن مالك النكري صدوق له أوهام قاله في التقريب، قال ابن حبان:" يعتبر حديثه من غير رواية ابنه يخطئ ويغرب ".
 
(د) سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد صدوق له أوهام، وقال ابن حبان:" كان صدوقاً حافظاً ممن كان يخطئ في الأخبار ويهم حتى لا يحتج به إذا انفرد "، انتهى من التقريب وأصله.
 
3 - ذكر الغماري الحكاية التي ذكرها القاضي عياض في الشفاء فيما جرى بين مالك وأبي جعفر المنصور، وقال بعد ذكرها بسندها ما نصه:" وقد زعم ابن تيمية على عادته في التسرع إلى الإطلاقات الكاذبة أن هذا الأثر مكذوب على الإمام مالك، ورد عليه جماعة من العلماء مبينين خطأه وجهله، منهم عصريه السبكي في شفاء السقام وكذا محمد بن عبد الباقي الزرقاني قال في شرح المواهب عقب نقل صاحبها عنه ما نقلناه ما لفظه: هذا تهور عجيب فإن الحكاية رواها أبو الحسن علي بن فهر في كتابه فضائل مالك بإسناد لا بأس به، وأخرجه القاضي عياض في الشفاء من طريقه عن شيوخ عدة من ثقات مشايخه فمن أين أنها كذب، وليس في إسنادها وضاع ولا كذاب.
 
وقال الخفاجي في نسم الرياض بعد تخريج عياض للأثر المذكور:" وفي هذا رد على ما قاله ابن تيمية من أن استقبال القبر الشريف في الدعاء عند الزيارة أمر منكر لم يقل به أحد ولم يرو إلا في حكاية مفتراة على مالك، يعنى هذا القصة التي أوردها المصنف، ولله دره حيث أوردها بسند صحيح وذكر أنه تلقاها عن عدة من ثقات مشايخه، فقوله أنها كذب محض مجازفة من ترهاته".
 
هذا كله كلام الغماري، وهو كلام رجل إمعة كل من يمشي يمشي معه وإلا فهذه الحكاية من نظر في سندها جزم بأنها مفتراة وكذب وهي كما يلي، رواها القاضي عياض في الشفاء عن غير واحد بإسناد غريب منقطع مظلم فإليك سندها، قال القاضي عياض في الشفاء: حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري وأبو القاسم أحمد بن بقى الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه قالوا ثنا أبو العباس أحمد بن عمرو بن دلهاث ثنا أبو الحسن علي بن فهر ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج ثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب ثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا ابن حميد قال:" ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوماً فقال:{لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية، ومدح قوماً فقال:{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} الآية، وذم قوماً فقال:{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} الآية.
 
وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام، بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك "، هذه هي الحكاية المكذوبة مع سندها المظلم.
 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" وهذه الحكاية منقطعة فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً ولا سيما في زمن أبي جعفر المنصور فإن أبا جعفر توفي سنة 158هـ وتوفي مالك سنة 179 هـ وتوفي ابن حميد سنة 248هـ ولم يخرج من بلده في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه، وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذبه أبو زرعة وابن وارة وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب الزبيري وتوفي سنة 242هـ وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد بن إسماعيل السهمي توفي سنة 259هـ وفي الإسناد المذكور أيضاً من لا تعرف حاله ".
 
قال ابن عبد الهادي في الصارم المنسكي في الرد على السبكي:" والمعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، وهذه الحكاية التي ذكرها القاضي عياض ورواها بإسناده عن مالك بصحيحه عنه وإسنادها مظلم منقطع مشتمل على من يهتم بالكذب وعلى من يجهل حاله، وابن حميد ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته ولم يسمع من مالك شيئاً ولم يلقه، بل روايته عنه منقطعة غير متصلة ".
 
قال إسحاق بن منصور:" أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان "، وقال أبو زرعة:" كان يكذب "، وقال ابن حبان:" ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبة ولا يسما إذا حدث عن شيوخ بلده "، فإذا كانت هذه حال ابن حميد عند أئمة هذا الشأن فكيف يقول السبكي في حكاية روايتها منقطعة إسنادها جيد، مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف وقد قال السبكي بعد أن ذكرها وتكلم على روايتها:" فانظر هذه الحكاية وثقة رواتها وموافقتها لما رواه ابن وهب عن مالك "، هكذا قال السبكي.
 
والذي حمله هو ومقلدوه على ارتكاب هذا السقطة قلة علمه بهذا الشأن وارتكاب هواه، والذي ينبغي أن يقال: فانظر إلى هذه الحكاية وضعفها وانقطاعها ونكارتها وجهالة بعض رواتها ونسبة بعضهم إلى الكذب ومخالفتها لما ثبت عن مالك وغيره من العلماء.
 
هذا كلام الحافظين الناقدين في هذه الحكاية المفتراة التي تدور بين متهم بالكذب وبين مجاهيل لا يمكن للغماري وغيره أن يعرفهم.
 
وأذكر هنا كلام الحفاظ الآخرين الذي يؤيد كلام الحافظين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن عبد الهادي حول ابن حميد الرازي فأقول: إن ابن حميد الرازي ذكره برهان الدين الحلبي في الكشف عمن رمي بوضع الحديث وقال: قال صالح جزرة:" كنا نتهم ابن حميد في كل شيء يحدثنا به، ما رأيت أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضه على بعض ". وقال أبو أحمد العسال:" سمعت فضلك الرازي يقول: دخلت على محمد بن حميد وهو يركب الأسانيد على المتون ". وقال الذهبي في الميزان:" قال أبو على النيسابوري قلت لابن خزيمة: لو أخذت الإسناد عن ابن حميد فإن أحمد بن حنبل أحسن الثناء عليه، فقال: إنه لم يعرفه ولو عرفه كما عرفناه لما أثنى عليه أصلا ". وقال صالح جزرة:" ما رأيت أحذق بالكذب من ابن حميد ومن ابن الشاذكوني ". وقد حدث عنه أحمد بن حنبل وابن معين وآخر أصحابه البغوي وابن جرير، مات سنة 248هـ.
 
وذكره ابن عراق أيضاً في الكذابين وقال فيه كما قال البرهان وغيره.
وقال البخاري في الجزء الأول من تاريخه الكبير:" محمد بن حميد أبو عبد الله الرازي سمع يعقوب القمي وجريراً، فيه نظر، مات سنة 248هـ "، وسئل أبو عبد الله عن محمد بن حميد الرازي لماذا تكلم فيه فقال:" لأنه أكثر على نفسه ".
وقال أبو حاتم الرازي في الجرح: قال ابن معين:" ابن حميد ثقة ليس به بأس رازي كيس، وهذا الأحاديث التي يحدث بها ليست هي من قبله، إنما هي من قبل الشيوخ الذين يحدث بها عنهم ".
وقال أبو حاتم:" سألني ابن معين عن ابن حميد من قبل أن يظهر منه ما ظهر قال: أي شيء تنقمون عليه؟ فقلت: يكون في كتابه الشيء فنقول ليس هذا هكذا إنما هو كذا وكذا فيأخذ القلم فيغيره على ما نقول. قال ابن معين: لبئس هذه الخصلة، قدم علينا بغداد فأخذنا منه كتاب يعقوب القمي ففرقنا الأوراق بيننا ومعنا أحمد بن حنبل فسمعناه ولم نر إلا خيراً ". هذا قبل أن يعرفه أحمد وابن معين كما يدل عليه كلام ابن خزيمة الذي تقدم آنفاً.
 
4 - قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم التستري حدثنا المفضل بن الموفق أبو الجهم حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك حق السائلين عليك " الحديث.
 
ثم قال الغماري ورواه أحمد عن يزيد بن هارون والطبراني في الدعاء عن بشر ابن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي وابن خزيمة في كتاب التوحيد عن طريق محمد بن فضيل بن غزوان. ومن طريق أبي خالد الأحمر وأبو نعيم الأصبهاني من رواية أبي نعيم الكوفي خصتهم عن فضيل بن مرزوق به، فزال ما يحشى من ضعف الفضيل بن الموفق بمتابعة هؤلاء له، ولم يبق إلا النظر في حل فضيل وشيخه، فأما فضيل فثقة كما قال ابن عيينة وابن معين وغيرهما، وروى له مسلم والأربعة، وأكبر ما عيب به تشيعه، وليس ذلك بعائبه على ما تقرر في هذا الشأن.
 
 وأما عطية فقال ابن سعد:" كان ثقة إن شاء الله "، وقال الحافظ السيد محمد مرتضى الحسيني:" هو صدوق في نفسه "، حسن له الترمذي عدة أحاديث انفرد بها.
 
وقال الغماري:" فهذا الحديث حسن كما قال الحافظ العراقي في المغني ". هذا، وللحديث طريق آخر عن بلال رضي الله عنه قال ابن السنى في عمل اليوم والليلة: حدثنا ابن منيع حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا علي بن ثابت الجزري عن الوزاع بن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى الصلاة قاله: "بسم الله آمنت بالله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك" الحديث.
 
ثم قال الغماري:" ولم أجد في التوسل بهم يعني الصالحين، حدثنا أصرح من هذا الحديث. وغيره من الأحاديث ليس صريحاً مثله ثم ذكر حديث الإبدال "، انتهى كلام الغماري.
 
قلت: هذا كله كلام الغماري حول هذا الخبر الذي حاول أن يلبس به على العامة موهماً أنه وجد ضالته وإلا ففي هذا الخبر أمران لم يتناولهما الغماري لأن تناوله لهما ينقض عليه ما يريد من التلبيس:
 
(أ) في سنده ضعيف وهو فضيل بن مرزوق، قال الحافظ:" صدوق بهم ورمي بالتشيع ". وقال ابن حبان:" منكر الحديث جداً، كان ممن يخطيء على الثقات ويروى عن عطية الموضوعات. وقال الذهبي في الميزان:" عطية أضعف من فضيل بن مرزوق ". وقال أبو عبد الله الحاكم:" فضيل بن مرزوق ليس من شرط الصحيح، عيب على مسلم إخراجه في الصحيح ". وروى أحمد بن أبي خيثمة عن ابن معين:" ضعيف "، اختلف فيه قول ابن معين كما قال ابن شاهين في ثقاته. وقال أبو حاتم:" صالح الحديث صدوق بهم كثيراً يكتب حديثه ولا يحتج به "، كذا في التهذيب، وقال ابن عدي:" إذا وافقه الثقات يحتج به ". وفي روايته هذا الحديث لا يعلم أحد تابعه إلا من لا يعتد بمتابعته.
 
(ب) الفضل بن الموفق بن أبي المتئد الكوفي فيه ضعف. قاله في التقريب وقال الذهبي في الميزان:" ضعفه أبو حاتم وكذا في الترغيب والترهيب للمنذري والكاشف للذهبي والتلخيص للحافظ ". فإن قلت قد وثقه ابن حبان كما ذكره المنذري في الترغيب والترهيب، قلت: لا اعتداد بتوثيق ابن حبان إذا تفرد به، قال الذهبي في الميزان في ترجمة عمارة بن حديد:" ولا تفرح بذكر ابن حبان له في الثفات فإن قاعدته معروفة من الإحتجاج بمن لا يعرفه "، ونص الحافظ في التهذيب، قال أبو حاتم:" كان شيخنا صالحاً ضعيف الحديث وكان قرابة لابن عيينة له عند ابن ماجة حديث أبي سعيد في القول: إذا خرج إلى الصلاة ".
 
(ج) عطية بن سعد العوفي صدوق يخطيء كثيراً كان شيعياً مدلساً قاله في التقريب. وقال الإمام أحمد:" بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، كان يكنيه بأبي سعيد فيقول قال أبو سعيد: يعنى يوهم أنه الخدري فهذا تدليس أي تدليس ".
 
 قال في توضيح الأفكار فإن: صادف شهرة راو ثقة يمكن أخذ ذلك الراوي عنه فمفسدته أشد كما وقع لعطية العوفي في تكنية محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد فكان إذا حدث عنه يقول حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري لأن عطية كان قد لقيه وروى عنه، وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ، وقد اجتمع في عطية من وجوه الضعف ثلاثة: تدليس، وعدم الضبط، وكثرة الخطأ، كما صرح بذلك الحافظان ابن القيم في الهدي والحافظ بن حجر في التقريب وطبقات المدلسين. فعلى كل حال فالذين جرحوا عطية أكثر ممن وثقه، ومن المعلوم أن الجرح المبين مقدم على التعديل، فالذين جرحوه خمسة عشر من النقاد  أبو حاتم  و سالم المرادي  و أحمد  و هشيم  و يحيى  و النسائي  و البيهقي  و الثوري  و ابن عدي  و عبد الحق الأشبيلي  و الذهبي  و المنذري  و الحافظ ابن القيم  و الحافظ ابن حجر  و الدارقطني.
 
وأما الموثقون فمنهم ابن معين على قول والترمذي، فابن معين قال فيه صالح كما في الميزان وهذه اللفظة في المرتبة السادسة من مراتب التوثيق فهي توثيق لين وحكمه أنه يكتب حديثه للإعتبار فهذا التوثيق لا ينافي القول بالضعف وأما الترمذي فلم يصرح بتوثيقه، نعم حسن له غير حديث، وتحسينه لا يدل على أن عطية ممن يحتج بحديثه في كل موضع فإنه ربما يحسن الحديث لمجيئه من طريق أخرى ولاحتمال أن يكون التحسين في موضع قد ثبت عند الترمذي التصريح بالتحديث فيه فإن عطية مدلس كما تقدم، وحديث المدلس إنما يقبل إذا صرح بالتحديث على أن الترمذي متساهل في التصحيح والتحسين، ولذا لم يعتمد العلماء عليه في هذا الباب وردوا على تصحيحه وتحسينه في غير موضع.
 
فإن قلت: إن الحافظ ابن حجر قال في تخريج الأذكار للنووي وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم عن فضيل عن عطية قال: حدثني أبو سعيد فذكره لكن لم يرفعه فقد أمن من ذلك تدليس عطية العوفي.
 
(هنا بقي) فالجواب أنه لا يحصل الأمن من تدليس عطية بهذا فإن عطية تقدم أنه يكنى محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد فكان إذا حدث عنه يقول حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري، والأشبه أن هذا الحديث موقوف. قال الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الله بن صالح العجلي الكوفي:" وله عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا خرج الرجل من بيته قال اللهم بحق السائلين عليك " الحديث، قال: خالفه أبو نعيم ورواه عن فضيل فما رفعه "، قال أبو حاتم:" وقفه أشبه، والموقوف ليس بحجة عند المحققين ". وقد صدر المنذري هذا الحديث في باب الترغيب في المشي إلى المساجد بلفظ ( روى ) وأهمل الكلام عليه في آخره وهذا عنده دلالة للإسناد الضعيف كما قال في ديباجة الكتاب وصرح النووي في الأذكار بضعفه، فبطل قول الغماري أنه بسند صحيح، وهذا كله مع أن الحديث خارج عن الموضوع لأن الغماري ساقه مستدلاً به على التوسل بالذوات فليس في هذا الحديث توسل بالذوات بل هو توسل بحق تفضل الله به على من سأله ودعاه وحده وهو الإجابة في قوله تعالى:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.
 
وأما الشاهد الذي فرح به الغماري فهو من رواية الوازع بن نافع العقيلي قال فيه ابن معين:" ليس بثقة "، وقال البخاري:" منكر الحديث "، وقال النسائي:" متروك "، وقال أيضاً:" ليس بثقة "، قاله في الميزان.
 
5 - حدثنا إبراهيم بن علي الباهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح السمان عن مالك قال:" أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر  النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال:" ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم يسقون وقل له عليك بالكيس الكيس"، فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه "
قال الحافظ:" إسناده صحيح، وأخرجه البيهقي في الدلائل بإسناد صحيح ". وقال الحافظ في الفتح:" وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة " انتهى كلام الغماري.
 
 قلت: في هذا الأثر مالك بن عياض الداري، ذكره البخاري في التاريخ الكبير وسكت عنه (ج 4:ص 304هـ) وكذلك ابن أبي حاتم ذكره في الجرح والتعديل بما نصه:
 
" مالك بن عياض مولى عمر بن الخطاب روى عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وروى عنه أبو صالح السمان سمعت أبي يقول ذلك وسكت عنه أيضاً انتهى منه " (ج 4:قسم (1) ص 213).
 
وكل من سكت عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل فهو مجهول، فإنه قال في الجزء الأول من الجرح والتعديل ما نصه:" وقصدنا بحكاياتنا الجرح والتعديل في كتابنا هذا إلى العارفين به العالمين له متأخراً بعد متقدم إلى أن انتهت بنا الحكاية إلى أبي وأبي زرعة رحمهم الله، ولم نحك عن قوم قد تكلموا في ذلك لقلة معرفتهم به ونسبنا كل حكاية إلى حاكيها، والجواب إلى صاحبه ونظرنا في اختلاف أقوال الأئمة في المسئولين عنهم فحذفنا تناقض قول كل واحد منهم وألحقنا بكل مسئول عنه ما لاق به وأشبهه من جوابهم على أنا قد ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روى عنه العلم رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم فنحن ملحقوها بهم من بعد إن شاء الله تعالى "، انتهى (ج1: ص 38 من الجرح والتعديل)
وقد قال الأخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة فهذه القصة غير ثابتة وقد أوهم المؤلف صحتها محرفاً لكلام بعض الأئمة مقلداً في ذل بعض ذوي الأهواء قبله وقد وعد بتفصيل ذلك في رسالة أفردها في هذا الموضوع، انتهى من السلسلة ( ج 1:ص 47 )

وفي هذه القصة أيضاً أن سيف بن عمر الضبي الأسدي المعروف هو الذي روى في فتوحه أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث، فعلم بهذا أن الأثر المذكور ليس فيه أن الجائى أحد الصحابة بل الذي روى أن الجائي أحد الصحابة ضعيف غاية الضعف فإن سيفاً صاحب الفتوح الذي روى هذا الكلام الأخير،
قال فيه يحيى:" فليس خير منه "
وقال أبو داود:" ليس بشيء " وقال أبو حاتم:" متروك "
وقال ابن حبان:" أتهم بزندقة "
وقال ابن عدى:" عامة حديثه منكر " هكذا في الميزان للذهبي.
وقال الحافظ في التقريب:" ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ "، أفحش ابن حبان القول فيه
وقال الخزرجي في الخلاصة:" ضعفوه ".
وقال البرهان في الكشف الحثيث فيمن رمى بوضع الحديث:" سيف كالواقدي "
وقال مكحول البيروتي: سمعت جعفر بن أبان قال: سمعت ابن نمير يقول:" سيف الضبي تميمي كان يقول حدثني رجل من بني تميم، وكان سيف يضع الحديث وقد اتهم بالزندقة ".
وقال ابن عراق في الكذابين:" سيف بن عمر متهم بالزندقة ووضع الحديث ".
وقال الفتني في قانون الضعفاء:" متروك اتهم بالوضع والزندقة "
فعلى هذا فهذا الأثر كما قال الأخ الألباني غير ثابت لا سيما وهو منام والمنام لا تثبت به الأحكام الشرعية إلاّ إذا كان من نبي.
 
 وأما ما قاله ابن سعد في الطبقات من أن مالك الدار مولى عمر بن الخطاب معروف فهذه الكلمة لا تفيد شيئاً لأنه- أعني ابن سعد- لم يذكر في ترجمته من روى عنه إلا أبا صالح السمان حيث قال في الجزء الخامس ص 12 ما نصه:" مالك الدار مولى عمر بن الخطاب وقد انتموا إلى جبلان من حمير وروى مالك الدار عن أبي بكر الصديق وعمر رحمهما الله، روى عنه أبو صالح السمان وكان معروفاً، فمن المعلوم أن المعروف هو الذي روى عنه اثنان فأكثر، وإلا فهو مجهول العين والحال معاً إذا لم يوثق بحديثه في قسم الضعيف إلا إذا وثقه غير من روى عنه، وكذلك إذا وثقه من روى عنه إذا كان أهلاً لذلك على القول الأصح.
 
6 - ومنها ما رواه الطبراني في الكبير قال حدثنا طاهر بن عيسى بن قريش (وفي نسخة قيرس) المصري المقري حدثنا أصبغ بن الفرج حدثنا أبن وهب يعنى عبد الله عن أبي سعيد المكي يعنى شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الختمى المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف:" أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان ابن حنيف: ائت الميضاة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيقضي حاجتي، وتذكر حاجتك ورح إلى حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله عنه فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: ما حاجتك، فذكر حاجته وقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها ثم أن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته في فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أو تصبر" فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ائت الميضاة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات"، قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط "، ورواه في المعجم الصغير من هذا الطريق بهذا اللفظ ثم قال: لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي، وهو ثقة وهو الذي يروي عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة والحديث صحيح.
وأقر على هذا التصحيح الحافظان زكى الدين المنذرى ونور الدين الهيثمى، انتهى كلام الغمارى.

قلت: في هذا الحديث آفتان:
إحداهما شبيب بن سعيد التميمى الحبطى أبو سعيد البصري،
قال الذهبي في الميزان والحافظ في التهذيب:" قال ابن عدي حدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير وقال ولعل شبيباً لما قدم مصر في تجارته كتب عنه ابن وهب من حفظه فغلط ووهم وأرجو أن لا يتعمد الكذب"
وقال ابن المديني:" ثقة وكتابه كتاب صحيح "
وقال الحافظ في التقريب:" شبيب بن سعيد التميمى الحبطى أبو سعيد لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب، وفيه أيضاً طاهر بن عيسى بن قريش أو ابن قيرس أستاذ الطبراني مجهول لا يعرف بالعدالة "
قال الشيخ سليمان صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد شرح الكتاب التوحيد: قال الذهبي:" طاهر بن عيسى صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد: قال الذهبي: بن بكير وأصبغ بن الفرج وعنه الطبراني توفي سنة 292هـ ولم يذكر فيه الذهبي جرحاً ولا تعديلاً، فهو إذا مجهول الحال لا يجوز الاحتجاج بخبره لا سيما فيما يخالف نصوص الكتاب والسنة ". انتهى من التيسير (ص 211-212 منه).
 
قال الطبراني:" تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة وهذا من الطبراني إخبار منه بمبلغ علمه ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن شعبة، وذلك إسناد صحيح يبين أن عثمان لم ينفرد به وطريق ابن وهب هذه نؤيد ما ذكره ابن عدي فإنه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابن شبيب بل ذكر فيها أن الأعمى دعى بمثل ما ذكره عثمان بن حنيف في هذا الأثر، وليس كذلك بل في حديث الأعمى أنه قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه أو قال في نفسي.. وهذه لم يذكرها ابن وهب في روايته هذه فيشبه أنه أن يكون حدث ابن وهب به من نفسه كما قال ابن عدي فلم يتقن الرواية ".
قال ابن أبي خيثمة: وأبو جعفر الذي حدث عنه حماد بن سلمة في حديث الأعمى اسمه عمير بن يزيد، وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة ثم ذكر الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة، وهذه الطريق فيها " فشفعني في نفسي " مثل طريق روح بن القاسم وفيها زيادة أخرى وهي قوله " وإن كانت لك حاجة فافعل مثل ذلك "  أو قال:" فعل مثل ذلك " وهذه قد يقال إنها توافق قول عثمان بن حنيف لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ من حماد بن سلمة، واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى وقوله :" وإن كانت حاجته فعل مثل ذلك " قد يكون مدرجاً من كلام عثمان لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل " وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك "، بل قال:" وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك " وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة وإنما غايتها أن يكون عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض فإنه لم يأمره بادعاء المشروع بل ببعضه وظن أن هذا مشروع بعد موته صلى الله عليه وسلم على فرض صحة هذا الأثر.

ولفظ الحديث المعروف يناقض ذلك فإن في الحديث أن الأعمى سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول " اللهم فشفعه في " وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم داعياً شافعاً له بخلاف من لم يكن كذلك فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم وفيه أيضاً أنه قال " وشفعني فيه " وليس المراد أن يشفع للنبي صلى الله عليه وسلم في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه وأمرنا أن نسأل الله له الوسيلة فسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له صلى الله عليه وسلم وهو معنى الشفاعة ولهذا كان الجزاء من جنس العمل فمن صلى عليه صلى الله عليه كذلك الأعمى سال منه الشفاعة فأمره أن يدعو الله بقبول هذه الشفاعة، وهو كالشفاعة في الشفاعة فلهذا قال: "اللهم فشفعه في وشفعني فيه" وذلك أن قبول دعاء  النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا من كرامة الرسول صلى الله عليه وسلم على ربه ولهذا عد هذا من آياته ودلائل نبوته فهو كشفاعته يوم القيامة في الخلق ولهذا أمر الأعمى أن يقول:" فشفعه في وشفعني فيه " بخلاف قوله " وشفعني في نفسي " فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من طريق غريب.
 
وأما قوله "وشفعني فيه" فإنه رواه عن شعبة رجلان جليلان عثمان بن عمرو وروح بن عبادة وشعبة أجل من روى حديث الأعمى. ومن طريق عثمان بن عمرو عن شعبة رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة ورواه الإمام أحمد في المسند عن روح بن عبادة عن شعبة فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث مع أن قوله "وشفعني فيه" إن كان محفوظاً مثل ما ذكرنا وهو أنه طلب أن يكون شفيعاً لنفسه مع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يدع له النبي صلى الله عليه وسلم كان سائلاً مجرداً كسائر السائلين، ولا يسمى مثل هذا شفاعة وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمراً فيكون أحدهما شفيعاً للأخر بخلاف الطالب والواحد الذي لم يشفع غيره، فهذه الزيادة فيها عدة علل.
 
أولاً: انفراد راويها بها عمن أبر وأحفظ منه.
 
ثانياً: إعراض أهل السنن عنها

ثالثاً اضطراب لفظها

رابعاً أن راويها عرف له عن روح أحاديث منكرة

ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة، فلا حجة فيها إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على ما فهمه بل على خلافه. ومن المعلوم أن الواحد بعد موته صلى الله عليه وسلم إذا قال:" اللهم شفعه في وشفعني فيه " مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع له كان هذا كلاماً باطلاً مع أن عثمان بن حنيف لم يأمر صاحب الحاجة أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ولا أن يقول (فشفعه في) ولم  يأمر بالدعاء المأثور على وجهه، وإما أمره ببعضه وليس هناك من النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته (فشفعه في) لكان كلاماً لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان صاحب الحجة، كما أنه لم يأمره بالدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم بل الذي أمره به ليس مأثوراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه،

وكان ما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالفه لم يكن فعل ذلك الصحابي سنة يجب على المسلمين اتباعها، لا غايته أن يكون مما يسوغ فيه الاجتهاد ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول،

ولهذا نظائر كثيرة مثل ما كان ابن عمر يدخل الماء في عينيه في الوضوء ويأخذ لأذنيه ماء جديداً، وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء ويقول من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وروى عنه أنه كان يمسح عنقه ويقول: هو موضع الغل، فإن هذا وإن استحبه طائفة من العلماء اتباعا لهما فقد خالفهم في ذلك آخرون وقالوا: سائر الصحابة لم يكونوا يتوضؤون هكذا، والوضوء الثابت عنه صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، ولا مع العنق، ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، بل هذا من كلام أبي هريرة جاء مدرجاً في بعض الأحاديث، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" وأنكم تأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء" وكان صلى الله عليه وسلم يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق، قال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل.
وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة، وهذا لا معنى له، فإن الغرة في الوجه لا في اليد والرجل، وإنما في اليد والرجل الحجلة والغرة لا يمكن إطالتها، فإن الوجه يغسل كله لا يغسل الرأس ولا غرة في الرأس والحجلة لا يستحب إطالتها وإطالتها مثلة، وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم وينزل مواضع منزلة ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحباً ولم يستحب ذلك جمهور العلماء كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، ولم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر ولو رأوه مستحباً لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والإقتداء به وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي فعل فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة،

وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة وأن يلتمس الحجر الأسود وأن يصلى خلف المقام وكان يتحرى الصلاة خلف أسطوانة مسجد المدينة وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما. وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه لكونه نزله لا قصداً لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه، فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين بل هذا من البدع التي كان ينهي عنها عمر بن الخطاب كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمى عن المعرور بن سويد قال:" كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً، فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض "، فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك ففاعل ذلك متشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى بالقصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل، ولهذا لما اشتبهت على كثير من العلماء جلسة الاستراحة هل فعلها استحباباً أو لحجة عارضة تنازعوا فيها وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه عليهم فعله لأنه كان أسمح بخروجه أو لكونه سنة تنازعوا في ذلك، ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم وتعريف ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حريث بالكوفة فإن هذا لم يفعله سائر الصحابة، ولم يمكن النبي صلى الله عليه وسلم شرعه لأمته، ولم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة بل غايته أن يقال هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد لا لأنه سنة مستحبة سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته أو يقال في التعريف أنه لا بأس به أحياناً لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة هكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله تارة يكرهونه وتارة يسوغون فيه الاجتهاد وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة ولا يقول عالم بالسنة أن هذه سنة مشروعة للمسلمين فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه ولا يكون في الدين واجباً إلا ما أوجبه ولا حراماً إلا ما حرمه ولا مستحباً إلا ما استحبه ولا مكروهاً إلا ما كرهه ولا مباحاً إلا ما أباحه.
 
وهكذا في الإباحات كما استباح أبو طلحة أكل البرد وهو صائم واستباحة حذيفة السحور بعد طهور الضوء المنتشر إلا أن الشمس لم تطلع وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك فوجب الرد إلى الكتاب والسنة.
 
وهكذا الكراهة والتحريم مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع أو التمتع مطلقاً أو رأى تقدير مسافة القصر بحد حده وأنه لا يقصر بدون ذلك أو رأى أنه ليس للمسافر أن يصوم في السفر، ومن ذلك قول سلمان أن الريق نجس وقول ابن عمر في الكتابية لا يجوز نكاحها، وتوريث معاذ ومعاوية للمسلم من الكافر ومنع عمر وابن مسعود للجنب أن يتيمم وقول علي وزيد وابن عمر في المفوضة أنه لا مهر لها إذا مات الزوج وقول علي وابن عباس في المتوفى عنها الحامل أنها تعتد إلى أبعد الأجلين وقول ابن عمر لا يجوز الاشتراط في الحج وقول ابن عباس وغيره في المتوفى عنها ليس عليها لزوم المنزل وقول عمر وابن مسعود أن المبتوتة لها السكنى والنفقة وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة فإنه يجب الرد إلى الله والرسول، ونظائرها كثيرة فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قال من العلماء إن قول الصحابي حجة، فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقراراً على قول فقد يقال "هذا إجماع إقراري" إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم وهم لا يقرون على باطل. وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال " حجة ".
 
وأما إذا عرف أن غيره خالفه فليس بحجة بالاتفاق، وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فيما يخالفها لا ريب عند أهل العلم.
 
وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داعياً له ولا شافعاً فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لن يروا هذا مشروعاً بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به، فلما مات لم يتوسلوا به بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل معنا حتى يخصب الناس لما استسقى بالناس قال:" اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " فيسقون. وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة ولم ينكره أحد مع شهرته. وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية ابن أبي سفيان في خلافته لما استسقى بالناس فلو كان توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته كتوسلهم به في حياته لقالوا كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما؟ ونعدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته.
 
وحديث الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه لا بذاته، وقال له في الدعاء "اللهم شفعه في" وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته ولم يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته، كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المخالف لعمر محجوجاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليه لا له. والله أعلم.
 
وأما القسم الثالث مما يسمى توسلاً فلا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً يحتج به أهل العلم وهو الأقسام على الله عز وجل بالأنبياء والصالحين والسؤال بأنفسهم فإنه لا يقدر أحد أن ينقل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ثابتاً لا في الأقسام أو السؤال به ولا في الأقسام أو السؤال بغيره من المخلوقين وإن كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أنه نهى عنه فتكون مسألة نزاع فيرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويبدي كل واحد حجته كما في سائر مسائل النزاع وليس هذا من مسائل العقوبات بإجماع المسلمين بل المعاقب على ذلك معتد جاهل ظالم فإن القائل بهذا قد قال ما قالت العلماء والمنكر عليه ليس معه نقل يجب اتباعه لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة.
 
وإتماماً للفائدة نختم هذه الرسالة بما ذكره ابن كثير في تفسيره وغيره عند قوله عز وجل:{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً}.. الآية.
 
قال ابن كثبر ما نصه:" ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال: كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله. سمعت الله يقول {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا} الآية، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشد يقول:
 
فطـاب من طيبهن القاع  والأكم                يا خير من دفـنـت بالقـاع أعظـمه
 
فيه العفـاف وفيه الجود والكـرم                نـفسي الفـداء لقــبـر أنـت سـاكـنـه
 
عند الصراط إذا مـا زلت القدم               أنت الرسـول الذي  ترجى شفاعـته
 
ولا نجـوم ولا  لـوح  ولا قـلـم                لولاك مـا خلقت شـمـس  ولا قـمـر
 
فأنت أكرم  من دانـت له الأمـم               صـلى علـيــك  إله الدهـر أجـمـعــه
 
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: "يا عتبى الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له ".
 
فهذه القصة الباطلة أخرجها ابن النجار في الدرة الثمينة في تاريخ المدينة بالسند التالي، قال أخبرنا عبد الرحمن ابن أبي الحسن في كتابه أخبرنا أبو الفرج ابن أحمد أخبرنا أحمد بن نصير أخبرنا محمد بن القاسم سمعت غالب بن غالب الصوفي يقول سمعت إبراهيم بن محمد المزكي يقول سمعت أبا الحسن الفقيه يحكى عن الحسن بن محمد عن ابن فضيل النحوي عن محمد بن روح عن محمد بن حرب الهلالي قال:" حج أعربي فلما جاء على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ راحلته فعقلها ثم دخل المسجد حتى أتى القبر، وذكر القصة بتمامها ".
 
فهذه الحكاية ذكرها أيضاً بعض الفقهاء والمحدثين، وليست بصحيحة ولا ثابتة إلى العتبي، وقد رويت عن غيره بإسناد مظلم، وبعض العلماء يرويها عن العتبي لا إسناد كما في تفسير ابن كثير عند الآية المقدمة الذكر آنفاً وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي
وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم أيضاً عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي وقد وضع لها بعض الكذابين إسناداً آخر إلى على بن أبي طالب رضي الله عنه، روى أبو الحسن على بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن على بن محمد بن على حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي قال حدثني أبي عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي رضي الله عنه فذكر هذه الحكاية، فهذا خبر منكر موضوع وأثر مختلق مصنوع لا يصلح الاعتقاد عليه ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض. والهيثم جد أحمد بن محمد بن الهيثم إن كان ابن عدى الطائي فهو متروك كذاب وإلا فهو مجهول، وقد ولد الهيثم ابن عدى بالكوفة ونشأ بها وأدرك زمان سلمة بن كهيل فيما قيل ثم انتقل إلى بغداد فسكنها
 قال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول:" الهيثم بن عدى كوفي ليس بثقة كان يكذب "
وقال العجلي وأبو داود:" كذاب "
وقال أبو حاتم الرازي والنسائي والدولابي والأزدي:" متروك الحديث ".
وقال السعدي:" ساقط قد كشف قناعه "
وقال أبو زرعة:" ليس بشيء "
وقال البخاري:" سكتوا عنه أي تركوه ".
وقال ابن عدي:" ما أقل ما له من المسند وإنما هو صاحب أخبار وأسمار ونسب وأشعار "
وقال ابن حبان:" كان من علماء الناس بالسير وأيام الناس وأخبار العرب إلى أنه روى عن الثقات أشياء كأنها موضوعة يسبق إلى القلب أنه كان يدلسها ".
قال الحاكم أبو أحمد الكبير:" هو ذاهب الحديث "
وقال الحاكم أبو عبد الله صاحب المستدرك:" الهيثم ابن عدى الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات أحاديث منكرة "
وقال العباس بن محمد:" سمعت بعض أصحابنا يقول قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب "

 وفي الجملة فليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما تقوم به حجة لأن إسنادها مظلم مختلق ولفظها مختلف أيضاً، ولو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة على مطلوب المعترض ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم. وهي في الجملة حكاية لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم.
 
وأما سند ابن النجار فهو أيضاً مجاهيل غير معروفين ابتداء من شيخه إلى محمد بن حرب الهلالي، قال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم ومخالفة أصحاب الجحيم" قال ما نصه:" ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه رضي الله عنهما، واتفق الأئمة على أنه إذا دعى بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه ".
 
 
" هذا "
 
وقد أغنانا الله عز وجل عما حرم من التوسلات الشركية والبدعية بما شرع لنا من التوسل المشروع وهو التوسل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا قال الله تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} وكذلك شرع لنا التوسل إليه بالأعمال الصالحة من دعائه وطاعته واتباع رسوله عليه الصلاة والسلام وحبه والإيمان به كما في حديث أصحاب الغار الذين توسلوا إليه لما وقعوا في الشدة بأعمالهم الصالحة ففرج عليهم. قال الله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقد أجمع الصحابة والتابعون لهم باحسان أن الوسيلة إليه تعالى في هذه الآية هي طاعة الله تعالى بما شرع والانتهاء عما نهى عنه ومنع. وقال تعالى:{ادعُونِي أَستجب لكم} .. الآية.
 
فهذا هو التوسل المشروع، وأما التوسل غير المشروع فهو قسمان:
 
1 - توسل شركي: كالحلف بغير الله ودعاء غير الله قال الله تعالى:{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}، {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}..
 
وكذلك الاستغاثة والاستعاذة بغير الله وتعليق التمائم والحلقات والطِيَرَة هذه كلها من الشرك. لا يجوز لمؤمن بالله أن يصرف الاستغاثة والذبح والاستعاذة لغير الله فمن صرف شيئاً منها لغير الله فقد أشرك كما جاءت به النصوص.
 
2 - التوسل البدعي: كأن يقول توسلت بجاه فلان أو بحرمته أو بحقه عليك أو بفضله أو بعمله فإن هذه الألفاظ بدعية لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في واحد  منها شيء صحيح ولا حسن بل كل ما نقل في هذا الباب موضوع أو ضعيف جداً لا يصلح للاحتجاج به أو صحيح خارج عن الموضوع كما تقدم في توسل عمر رضي الله عنه بالعباس وكما في حديث الأعمى على القول بصحته.
 
ونسأل الله العلي القدير أن يلهمنا الصواب في القول والعمل ويجنبنا الخطأ والزلل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أمين
..
Comments